فصل: ذكر الطبقة الثانية من ملوك الفرس الأولى

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التنبيه والإشراف **


 ذكر الطبقة الأولى من ملوك الفرس الأولى

أولهم جيومرت كلشاه وتفسير ذلك ملك الطين وإليه ترجع الفرس في أنسابها وهو عندهم آدم أبو البشر وأصل النسل ملك أربعين سنة وقيل ثلاثين وذلك في الهزاريكه الأولى من بدء النسل وتفسير ذلك الألف سنة وكان ينزل اصطخر فارس أوشهنج ملك أربعين سنة طهمورث ملك ثلاثين سنة جم ملك سبعمائة سنة وثلاث أشهر البيوارسب وهو الضحاك ملك ألف سنة والفرس تغلو فيه وتذكر من أخباره أن حيتين كانتا في كتفيه تعتريانه لا تهدئا إلا بأدمغة الناس وأنه كان ساحراً يطيعه الجن والإنس وملك الأقاليم السبعة وأنه لما عظم بغيه وزاد عتوه وأباد خلقاً كثيراً من أهل مملكته ظهر رجل من عوام الناس وذوي النسك منهم من أهل إصبهان إسكاف كابي ورفع راية من جلود علامة له ودعا الناس إلى خلع الضحاك وقتله وتمليك افريذون فاتبعه عوام الناس وكثير من خواصهم وسار إلى الضحاك فقبض عليه وأنفذه أفريذون إلى أعلى جبل دباوند بين الري وطبرستان فأودع هناك وأنه حي إلى هذا الوقت مقيد هناك في أخبار يطول ذكرها قد شرحناها في كتاب مروج الذهب ومعادن الجوهر وعظم ابتهاج الناس بما نال الضحاك بجوره وسوء سياسته وتيمنوا بتلك الراية فسميت درفش كابيان إضافة إلى كابي صاحبها والدرفش بالفارسية الأولى الراية وبهذه الفارسية إشفي الخرز وحليت بالذهب وأنواع الجواهر الثمينة وكانت لا تظهر إلى في حروب عظيمة تنشر على رأس الملك أوولى عهده أو من يقوم مقامه فلم تزل معظمة عند جميع ملوكهم إلى أن وجه بها يزدجرد بن شهريار آخر ملوك الفرس من الساسانية مع رستم الآذري لحرب العرب بالقادسية في سنة 16 على ما في ذلك من التنازع‏.‏

فلما هزمت الفرس وقتل رستم صارت هذه الراية إلى ضرار بن الخطاب الفهري فقومت ألفي ألف دينار وقيل إن أخذها كان يوم فتح المدائن وقيل يوم فتح نهاوند وكذلك في سنة 9 وقيل في سنة 21 فلما تهيأ على الضحاك من كابي ومن اتبعه أكثر أردشير في عهده التحذي لمن بعده من الملوك من التهاون بما يكون من نوابغ العوام ونساكهم من التجمع والترؤس وأن ذلك إذا أهمل فتفاقم آل إلى انتقال الملك وزوال الرسوم وكذلك فعل أرسطاطاليس - في تحذيره الاسكندر في كثير من رسائله - وغيرهما من ذوي المعرفة بسياسة الدين والملك واليمانية من العرب تدّعى الضحاك وتزعم أنه من الأزد وقد ذكرته الشعراء في الإسلام فافتخر به أبو نواس الحسن بن هانئ مولى بني حكم بن سعد العشيرة بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان ابن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان في قصيدته التي هجا فيها قبائل نزار بأسرها وافتخر بقحطان وقبائلها وهي قصيدته المشهورة التي أطال الرشيد حبسه بسببها وقيل إنه حده لأجلها وأولها‏:‏ لست لدار عفت وغيرها ضربان من قطرها وحاصبها فقال فيها مفتخراً باليمن وذاكراً للضحاك فنحن أرباب ناعط ولنا صنعاء المسك في محاربها وكان منا الضحاك يعبدها ل خابل والطير في مساريها وفيما يقول يهجو نزاراً واهج نزاراً وأفر جلدتها وكشف الستر عن مثالبها وقد رد عليه قصيدته هذه جماعة من النزارية منهم رجل من بني ربيعة بن نزار قال يذكر نزاراً ومناقبها واليمن ومثالبها في قصيدة له أولها دع مدح دار خبا وانتهى عهد معد بزعم عاتبها وهتك الستر عن ذوي يمن أولاد قحطان غير هائبها وذكر أبو تمام الضحاك في قصيدة له يمدح الإفشين ويشبهه بأفريذون ويذكر بابك ويشبهه بالضحاك هذه أولها‏:‏ بذ الجلاد البد فهو دفين ما إن به غير الوحوش قطين فقال‏:‏ بل كان كالضحاك في سطواته بالعالمين وأنت أفريذون وقد ذهب كثير من ذوي المعرفة بأخبار الأمم السالفة وملوكها إلى أن الضحاك كان من أوائل ملوك الكلدانيين النبط‏.‏

أفريذون ملك خمسمائة سنة‏.‏

 ذكر الطبقة الثانية من ملوك الفرس الأولى

وهم بلان ومعنى ذلك العلويون أولهم منوشهر ملك مائة سنة وعشرين سنة والفرس تعظم أمره وترفع من شأنه لأمور ذكروها ومعجزات وصفوها وبينه وبين أفريذون ثلاثة عشر أباً وهو من ولد ايرج بن أفرياون وكان له سبعة أولاد إليهم ترجع أكثر شعوب فارس في أنسابها وسائر طبقات ملوكها وهو كالشجرة للفرس في النسب‏.‏

وكذلك الأكراد عند الفرس من ولد كرد بن اسفنديار بن منوشهر منهم البازنجان والشوهجان والشاذنجان والنشاورة والبوذيكان واللّرّية والجورقان والجاوانية والبارسيان والجلالية والمستكان والجابارقة والجروغان والكيكان والماجردان والهذبانية وغيرهم ممن بزمام فارس وكرمان وسجستان وخراسان وإصبهان وأرض الجبال من الماهات ماه الكوفة وماه البصرة وماه سبذان والإيغارين وهما البرج وكرج أبي دلف وهمذان وشهرزور ودراباذ والصامغان وآذربيجان وأرمينية وأران والبيلقان والباب والأبواب ومن بالجزيزة والشأم والثغور وقد ذهب قوم من متأخري الأكراد وذوي الدراية - منهم من شاهدناهم فيما ذكرنا من البلاد - إلى أنهم من ولد كرد بن مرد بن صعصعة بن حرب ابن هوازن‏.‏

ومنهم من يرى أنهم من ولد سبيع بن هوازن وحرب وسبيع عند نساب مضر درجا فلا عقب لهما وإنما العقب لهوازن من بكر بن هوازن‏.‏

ومن الأكراد من يذهب إلى أنهم من ربيعة ثم من بكر بن وائل وقعوا في قديم الزمان لحروب كانت بينهم إلى أرض الأعاجم وتفرقوا فيهم وحالت لغتهم وصاروا شعوباً وقبائل‏.‏

قال المسعودي‏:‏ وقد ذكرنا فيما سلف من كتبنا سائر من سكن البدو والجبال في المشرق والمغرب والشمال والجنوب من العرب والأكراد والجت والبلوج والكوج وهم القفص ببلاد كرمان والبربر بأرض إفريقية والمغرب من كتامة وزويلة ومزاتة ولواتة وهوارة وصنهاجة وأوربة ولمطة وغيرهم من بطون البربر وشعوبهم والفيرة والبجة وغيرهم من الأمم المخيمة وقيل إنه ملك بعد منوشهر سهم بن أمان بن اثفيان بن نوذر بن منوشهر ستين سنة ثم ملك فراسيات التركي اثنتي عشرة سنة‏.‏

ثم غلبه زو وملك ثلاث سنين وكرشاسب ثلاث سنين‏.‏

 ذكر الطبقة الثالثة من ملوك الفرس الأولى

وهم الكيانيون وتفسير ذلك الأعزاء أولهم كيقباذ ملك مائة وسنة وعشرين سنة‏.‏

وكيقاوس مائة سنة وخمسين سنة‏.‏

وكيخسرو ستين سنة‏.‏

وكيلهراسب مائة سنة وعشرين سنة‏.‏

وكيبشتاسب مائة سنة وعشرين سنة أيضاً‏.‏

ولثلاثين سنة خلت من ملكه أتاه زرادشت بن بورشسب بن اسبيمان بدين المجوسية فقبلها وحمل أهل مملكته عليها وقاتل عليها حتى وكانوا قبل ذلك على رأي الحنفاء وهم الصائبون وهو المذهب الذي أتى به بوذاسب إلى طهمورث وهذه كلمة سريانية عربت وإنما هي حنيفوا وقيل جيء بحرف بين الباء والفاء وأنه ليس للسريانيين فاء وذكر أن الصابئين نسبوا إلى صابي بن متوشلخ بن إدريس وكان على الحنيفية الأولى وقيل إلى صابي بن ماري وكان في عصر إبراهيم الخليل عليه السلام وغير ذلك من الأقاويل مما قدمنا شرحه فيما سلف من كتبنا‏.‏

وجاءه زرادشت بالكتاب المعروف بالأبستا وإذا عرب أثبتت فيه قاف فقيل الأبستاق وعدد سوره إحدى وعشرون سورة كل سورة في مائتين من الأوراق‏.‏

وعدد حروفه وأصواته ستون حرفاً وصوتاً لكل حرف وصوت صورة مفردة منها حروف تتكرر ومنها حروف تسقط إذ ليست خاصة بلسان الأبستا‏.‏

وزرادشت أحدث هذا الخط والمجوس تسميه دين دبيره أي كتابة الدين وكتب في اثني عشرة ألف جلد ثور بقضبان الذهب حفراً باللغة الفارسية الأولى ولا يعلم أحد اليوم يعرف معنى تلك اللغة وإنما نقل لهم إلى هذه الفارسية شيء من السور فهي في أيديهم يقرءونها في صلواتهم كأشتاذ وجترشت وبانيست وهادوخت وغيرها من السور‏.‏

في جترشت الخبر عن مبدأ العالم ومنتهاه وفي هادوخت مواعظ‏.‏

وعمل زرادشت للأبستا شرحاً سماه الزند وهو عندهم كلام الرب المنزل على زرادشت ثم ترجمه زرادشت من لغة الفهلوية إلى الفارسية ثم عمل زرادشت للزند سماه بازند وعملت العلماء من الموابذة والهرابذة لذلك الشرح شرحاً سموه بارده ومنهم من يسميه اكرده فأحرقه الإسكندر لما غلب على ملك فارس وقتل دارا ابن دارا وأحدث زرادشت خطاً آخر تسميه المجوس كشن دبيره تفسيره كتابة الكل يكتب به سائر لغات الأمم وصياح البهائم والطير وغير ذلك عدد حروفه وأصواته مائة وستون لكل حرف وصوت صورة مفردة وليس في سائر خطوط الأمم أكثر حروفاً من هذين الخطين لأن حروف اليوناني وهو المسمى الرومي في هذا الوقت أربعة وعشرون حرفاً ليس لهم حاء ولا خاء ولا عين ولا باء ولا هاء وحروف السرياني اثنان وعشرون والعبراني هو السرياني غير أن حروفه مقطعة ومنها ما لا يشبه صورته صورة السريناني والحميري وهو قلم حمير المعروف بالمسند يقرب من السرياني وحروف العربي بالخطين تسعة وعشرون حرفاً وما عدا ذلك من حروف الأمم يقرب بعضها من بعض وللفرس غير هذين الخطين الذي أحدثهما زرادشت خمسة خطوط منها ما تدخله اللغة النبطية ومنها ما لا تدخله وقد أتينا على شرح جميع ذلك وما ذكروا له من المعجزات والدلائل والعلامات وما يذهبون إليه من الخمسة القدماء عندهم أورمزد وهو الله عز وجل وأهرمن وهو الشيطان الشرير وكان وهو الزمان وجاي وهو المكان وهوم وهو الطينة والخميرة وحجاجهم لذلك وعلة تعظيمهم للنيرين وغيرهما من الأنوار والفرق بين النار والنور والكلام في بدء النسل وما كان من ميشاه وهو مهلا بن كيومرت ومن ميشاني وهو مهلينه بنت كيومرت وإن الناس من الفرس يرجعون في أنسابهم إليهما وغير ذلك من دياناتهم ووجوه عباداتهم ومواضع بيوت نيرانهم فيما سمينا من كتبنا ومتكلموا الإسلام من أصحاب الكتب في المقالات ومن قصد إلى الرد على هؤلاء القوم ممن سلف وخلف يحكمون عنهم أنهم يزعمون أن الله تفكر فحدث من فكره شر وأنه الشيطان وأنه صالحه وأمهله مدة من الزمان يفتنه فيها وغير ذلك من مذاهبهم مما تأباه المجوس ولا تنقاد إليه ولا تقر به وأرى أن ذلك حكاية عن بعض عوامهم ممن سمع يعتقد ذلك فنسب إلى الجميع وبهمن ملك مائة سنة اثنتي سنة عشرة سنة وخماني ابنته ثلاثين سنة ودارا الأكبر بن بهمن اثنتي عشرة قال المسعودي‏:‏ وقد ذكرنا في آخر الجزء السابع من كتاب مروج الذهب ومعادن الجوهر لأية علة كثرت الفرس سني هؤلاء الملوك وأسرارهم في ذلك وحروبهم مع ملوك الترك وتسمى تلك الحروب بيكار معنى ذلكالإجهاد وغيرهم من الأمم وحروب رستم بن دستان واسفنديار ببلاد خراسان وسجستان ورابلستان وغير ذلك مما كان من الكوائن والأحداث في أيامهم وذكرنا في كتابنا في أخبار الزمان ومن أباده الحدثان من الأمم الماضية والأجيال الخالية والمماليك الداثرة تنازع الناس في هؤلاء الفرس الأولى أهم الكلدانيون أم الملك أفضى إليهم عنهم وقول من قال إن الكلدانيين إنما زال ملكهم بالأثوريين ملوك الموصل بعد ما كان بينهم من التحزب والحروب التي افنتهم ومن قال إن أول مملكة كانت في إقليم بابل بعد الطوفان ملك نمرود الجبار ومن تلاه من النماردة وكذلك هو في التوراة وغير ذلك من التنازع في الأمم الذين بعدت عنا أعصارهم وتقطعت أخبارهم وقد نفى الله عز وجل الإحاطة بعلم أحوال القرون الخالية والأمم السالفة عمن سواه لتقادم زمانها وبعد أيامها فقال سبحانه ‏"‏ ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعادٍ وثمود والذي من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ‏"‏ ذكر ما أدركه الإحصاء من ملوك الطوائف كانت ملوك الطوائف نحواً من مائة ملك فرس ونبط وعرب من حد بلاد أثور وهي الموصل إلى أقصى بلاد الأعاجم وكان المعظمين منهم والذين ينقاد الباقون إليهم الأشغانيون وهم من ولد أشغان بن أش الحبار بن سياوخش ابن كيقاوس الملك وكانوا ينزلون في الشتاء العراق وفي الصيف الشيز من بلاد آذربيجان وفيها إلى هذا الوقت آثار عجيبة من البنيان والصور بأنواع الأصباغ العجيبة من صور الأفلاك والنجوم والعالم وما فيه من بر وبحر وعامر ومعدن وخراب ونبات وحيوان وغير ذلك من العجائب ولهم فيها بيت نار معظم عند سائر طبقات الفرس يقال له آذرخش آذر أحد أسماء النار بالفارسية والخش الطيب وكان الملك من ملوك الفرس إذا ملك زاره ماشياً تعظيماً له وتنذر له النذور وتحمل إليه التحف والأموال وغير ذلك من البلاد كالماهات وأرض الجبال ولم يعد من ملوك الطوائف في التواريخ والسير إلا الأشغانيون لما ذكرنا من عظم شأنهم واتساق ملكهم وكان أول من يعد منهم أشك بن أشك بن أردوان بن أشغان بن أش الجبار بن سياوخش بن كيقاوس الملك ملك عشر سنين وسابور بن أشك ستين سنة وجوذرز بن أشك عشر سنين بيزن بن سابور إحدى وعشرين سنة جوذرز بن بيزن تسع عشرة سنة نرسي بن بيزن أربعين سنة هرمز بن بيزن تسع عشرة سنة أردوان الأكبر اثنتي عشرة سنة خسرو بن أردوان أربعين سنة بلاش بن خسرو أربعاً وعشرين سنة أردوان الأصغر ثلاث عشرة سنة فهذه جملة ما أدركه الإحصاء من ملوك الطوائف وسني ملكهم وهم أحد عشر ملكاً ملكوا مائتي سنة وثماني ستين سنة وقد كانت لهم ملوك لم تعرف أسماؤهم ومدة سني ملكهم ولم يذكروا في شيء من كتب الفرس وغيرها من كتب سير الملوك لاضطراب أمر الملك في تلك الأعصار والتنازع الواقع من اختلاف الكلمة والتحزب وغلبة كل واحد منهم على صقعه ولما نحن ذاكروه في آخر هذا الباب من فعل أردشير بابكان والصحيح عند من عني بأخبار سوالف الأمم وملوكهم أن مدة ملوك الطوائف بعد قتل داريوش وهو دارا بن دارا إلى قيام أردشير بن بابك خمسمائة سنة وثلاث عشرة سنة وذلك أن من أول السنة التي ملك فيها الإسكندر بن فيلبس الملك المقدوني إلى وقتنا هذا وهو سنة 45 للهجرة ألف سنة ومائتين وسبعاً وستين سنة فإذا أسقط من ذلك ما بين سنة 345 وسنة 2 للهجرة وهي السنة التي قتل فيها يزدجرد بن شهريار الملك وذلك ثلاثمائة وثلاث عشرة سنة وما ملكت الفرس من الساسانية من السنين وهو أربعمائة وتسع وثلاثون سنة كان الذي يبقى بعد ذلك من السنين منذ قتل الإسكندر لداريوش وهو دارا بن دارا إلى قيام أردشير بن بابك خمسمائة سنة وثلاث عشرة سنة وهي مدة ملك ملوك الطوائف وقد ذكرنا جميع ما قيل في ذلك على الشرح والإيضاح في كتابنا في أخبار الزمان وفيما تلاه من الكتاب الأوسط ثم في الجزء السابع من كتاب مروج الذهب ومعادن الجوهر في النسخة الأخيرة التي قررنا أمرها في هذا الوقت على ما يجب من الزيادات الكثيرة وتبديل المعاني وتغيير العبارات وهي أضعاف النسخة الأولى التي ألفناها في سنة 332 وإنما ذكرنا ذلك لاستفاضة تلك النسخة وكثرتها في أيدي الناس ثم في كتاب فنون المعارف وما جرى في الدهور السوالف ثم في كتاب ذخائر العلوم وما جرى ف سالف الدهور ثم في كتاب الاستذكار لما جرى في سالف الأعصار الذي كتابنا هذا تال له ومبني عليه وهو سابعها‏.‏

وكل واحد من هذه الكتب تال لما قبله ومبني عليه وخصصنا كل كتاب منها بتلاقين وعبارات مما لم نخصص بن الآخر إلا ما لا يسع تركه وبين الفرس وغيرهم من الأمم في تأريخ الإسكندر تفاوت عظيم وقد أغفل كثير من الناس وهو سر دياني وملوكي من أسرار الفرس لا يكاد يعرفه إلا الموابذة والهرابذة وغيرهم من ذوي التحصيل منهم والدراية على ما شاهدناه بأرض فارس وكرمان وغيرها من أرض الأعاجم وليس يوجد في شيء من الكتب بن بورشسب بن اسبيمان ذكر في الأبستا - وهو الكتاب المنزل عليه عندهم - أن ملكهم يضطرب بعد ثلاثمائة سنة ويبقى دينهم فإذا كان على رأس ألف سنة ذهب الدين والملك جميعاً وكان بين زرادشت والإسكندر نحو من ثلاثمائة سنة لأن زرادشت ظهر في ملك كيبشتاسب بن كيلهراسب على ما قدمنا من خبره فيما سلف من هذا الكتاب وأردشير بن بابك حاز الملك وجمع الممالك بعد الإسكندر بخمسمائة سنة وبضع عشرة سنة فنظر فإذا الذي بقي إلى تمام الألف سنة نحو من مائتي سنة فأراد أن يمد الملك مائتي سنة أخرى لأنه خشي إن تمت مائتا سنة بعده أن يترك الناس نصرة الملك والذب عنه ثقة بخير نبيهم في زواله فنقص من الخمسمائة سنة والبضع عشرة سنة التي بينه وبين الإسكندر نحواً من نصفها وذكر من ملوك الطوائف من ملك هذه السنين وأسقط من عداهم وأشاع في المملكة أن ظهوره واستيلاء على ملوك الطوائف وقتله أردوان أعظمهم شأناً وأكبرهم جنوداً إنما كان في سنة مائتين وستين بعد الإسكندر فأوقع التاريخبذلك وانتشر في الناس فلهذا وقع الخلاف بين الفرس وغيرهم من الأمم واضطرب تأريخ سني ملوك الطوائف لهذه العلة وقد ذكر ذلك أردشير بن بابك في آخر عهده الذي أورثه من بعده من الملوك من ولده في سياسة الدين والملك فقال ولولا اليقين بالبوار النازل على رأس الألف سنة لظننت أني قد خلفت فيكم من عهدي ما إن تمسكتم به كان علامة لبقائكم ما بقي الليل والنهار ولكن الفناء إذا جاءت أيامه أطعتم أهواءكم وأطرحتم آراءكم وملكتم شراركم وأذللتم خياركم وذكر ذلك أيضاً تنشر موبذ أردشير الداعي إليه والمبشر بظهوره في آخر رسالته إلى ماجشنس صاحب جبال دباوند والري وطبرستان والديلم وجيلان‏.‏

فقال ولولا أنا قد علمنا أن بلية نازلة على رأس الألف سنة لقلنا إن ملك الملوك قد أحكم الأمر للأبد ولكنا قد علمنا أن البلايا على رأس الألف سنة وأن سبب ذلك ترك أمر الملوك وإغلاق ما أطلق وإطلاق ما أغلق وذلك للفناء الذي لابد منه ولكنا وإن كنا أهل فناء فإن علينا أن نعمل للبقاء ونحتال له إلى أمد الفناء فكن من أهل ذلك ولا تعني الفناء على نفسك وقومك فإن الفناء مكتف بقوته عن أن يعان وأنت محتاج إلى أن تعين نفسك بما يزينك في دار الفناء وينفعك في دار البقاء ونسأل الله أن يجعلك من ذلك بأرفع منزلة وأعلى درجة ذكر ملوك الفرس الثانية وهم وهي الطبقة الخامسة من ملوكهم كان أولهم أردشير بن بابك بن ساسان بن بابك من ولد بهمن بن أسفنديار بن كيبشتاسب بن كيلهراسب وهو الذي أزال ملوك الطوائف ويسمى ملكه ملك الاجتماع ملك أربع عشرة سنة وشهوراً ثم زهد في الملك وسلمه إلى ولده سابور وتفرد بالعبادة وبعد ملكه مذ قتل أردوان الملك وكان من أعظم ملوك الطوائف بالعراق وقد ذكرنا السبب في مبدأ ظهور أردشير وخير داعيه تنشر الزاهد وفي الناس من يسميه دوشر وكان أفلاطوني المذهب من أبناء ملوك الطوائف أفضي ملك أبيه إليه بأرض فارس فزهد فيه وكيف دعا إلى أردشير وبشر بظهوره وبث الدعاة في البلاد لذلك ووطأ له الأمر حتى اجتمع له الملك واستظهر على جميع ملوك الطوائف ولتنشر رسائل حسان في أنواع السياسة الملوكية والديانية يخبر عن أردشير وحاله ويعتذر عنه مما فعل في ملكه من أمور أحدثها في الدين والملك لم تعهد لأحد من الملوك قبله وأن ذلك هو الصلاح لما توجبه الأحوال في ذلك الزمان منها رسالته إلى ماجشنس المقدم ذكرها ورسالته إلى ملك الهند وغيرهما من رسائله الثاني سابور بن أردشير ملك إحدى وثلاثين سنة وستة أشهر وفي أيامه كان ماني وإليه تضاف المانوية من أصحاب الاثنين الثالث هرمز بن سابور ملك سنة وعشرة أشهر والرابع بهرام بن هرمز ملك ثلاث سنين وثلاثة أشهر وقتل ماني وعدة من متبعيه وذلك بمدينة سابوز فارس الخامس بهرام بن بهرام ملك سبع عشرة سنة وقيل ثماني عشرة السادس بهرام بن بهرام بن بهرام ملك أربع سنين وأربعة أشهر السابع نرسي بن بهرام بن بهرام ملك تسع سنين وستة أشهر الثامن هرمز بن نرسي ملك سبع سنين وخمسة أشهر التاسع سابور ذو الأكتاف بن هرمز ملك اثنتين وسبعين سنة العاشر أردشير بن هرمز ملك أربع سنين الحادي عشر سابور بن سابور ذي الأكتاف ملك خمس سنين وأربعة أشهر والثاني عشر بهرام بن سابور ملك إحدى عشرة سنة والثالث عشر يزدجرد الأثيم بن سابور ملك إحدى وعشرين سنة الرابع عشر بهرام بن جور بن يزدجرد ملك ثلاثاً وعشرين سنة وهو الذي نشأ عند ملوك الحيرة وبني له الخورنق لأمور قد ذكرناها فيماس لف من كتبنا وكان فصيحاً بالعربية وله بها شعر صالح الخامس عشر يزدجرد بن بهرام جور ملك ثماني عشرة سنة وأربعة أشهر وسبعة أيام السادس عشر فيروز بن يزدجرد ملك سبعاً وعشرين سنة وقتله أخشنوار ملك الهياطلة السابع عشر بلاش بن فيروز ملك أربع سنين الثامن عشر قباذ بن فيروز ملك ثلاثاً وأربعين سنة وفي أيامه كان مزدق الموبذ المتأول كتاب زرادشت المعروف بالابستاق والجاعل لظاهره باطناً بخلاف ظاهره وهو أول من يعد من أصحاب التأويل والباطن والعدول عن الظاهر في شريعة زرادشت وإليه تضاف المزدقية والتاسع عشر أنوشروان بن قباذ ملك ثماني وأربعين سنة وقتل مزدقاً ومتبعيه وقد أتينا على الفرق بين مذهب مزدق وما كان يذهب إليه في التأويل وبين ما ذهب إليه ماني والفرق بين ماني ومن تقدمه من أصحاب الاثنين كابن ديصان ومرقيون وغيرهما وما ذهبوا إليه جميعاً في الفاعلين وأن أحدهما خير محمود مرغوب والآخر شرير مذموم مرهوب منه والفرق بين هؤلاء جميعاً وما يذهب إليه الباطنية أصحاب التأويل في هذا الوقت في كتاب خزائن الدين سر وأنوشروان أول من سن رسوم الخراج وبين وضائعه وكان فيما سلف مقاسمة وقد كان أبوه قباذ شرع في ذلك في آخر أيامه ولم يتمه توقد ذكرنا ذلك في كتاب الاستذكار لما جرى في سالف الأعصار في باب ذكر السواد ومساحته ووصف طساسيجه وقسمته والعراق وحدوده من الأرض ووصف نهاياته في الطول والعرض والعشرون هرمز بن أنوشروان ملك اثنتي عشرة سنة وخالف عليه بهرام جوبين الرازي فآل ذلك إلى أن سمل هرمز ولا يعلم فيمن قبله وبعده من ملوك الفرس من سمل غيره والحادي والعشرون خسرو أبرويز بن هرمز ملك ثماني وثلاثين سنة وقتله ابنه شيرويه بن أبرويز

والثاني والعشرون شيرويه بن أبرويز قاتل أبيه واسمه قباذ ملك ستة أشهر والثالث والعشرون أردشير بن شيرويه ملك سنة وستة أشهر الرابع والعشرون شهربراز ملك أربعين يوماً وقد أتينا على خبره وسبب مقتله ومقتل غيره من فرسان الفرس وشجعانهم على طبقاتهم من الملوك وغيرهم ممن أجمع على تقدميه وتفضيله وشجاعته ومقاماته المشهورة أيامه المذكورة في كتاب لنا ترجمناه بكتاب مقاتل فرسان العجم معارضة لكتاب أبي عبيدة معمر بن المثنى في مقاتل فرسان العرب والخامس والعشرون كسرى بن قباذ ملك ثلاثة أشهر السادس والعشرون بوران ابنة كسرى أبرويز ملكت سنة وستة أشهر وكان ملكها في السنة الثانية من الهجرة وفيها قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين بلغه تمليك الفرس إياها وما بينهم من التخرب والفتن ‏"‏ لا يفلح قوم يدبر أمرهم امرأة ‏"‏ السابع والعشرون فيروز جشنس بنده ملك ستة أشهر الثامن والعشرون أزرميدخت بنت كسرى أبرويز ملكت ستة أشهر وكان خرهرمز الآزدي أصبهبذخرسان وهو أبو رستم صاحب القادسية بالحضرة فطمع فيها وراسلها في الاجتماع معها فواعدته ليلاً وأمرت صاحب الحرش بالفتك به ففعل ذلك وكان رستم يخلف أباه بخراسان وقيل بآذربيجان وارمينية فلما بلغه قتلها لأبيه سار إليها فقتلها به وذلك في السنة العاشرة من الهجرة التاسع والعشرون فرخزادخسرو بن أبرويز ملك سنة الثلاثون يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز بن هرمز أنوشروان بن قباذ ابن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور بن يزدجرد الأثيم بن سابور الأصغر بن سابور الأكبر ذي الأكتاف بن هرمز بن نرسي بن بهرام بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير بن بابك ملك عشرين سنة وهو آخر ملوكهم والمقتول بمرو من بلاد خراسان سنة 32 في خلافة عثمان بن عفان وكانت للفرس مراتب أعظمها خمس وهم وسائط بين الملك وبين سائر رعيته فأولها واعلاها الموبذ تفسيره حافظ الدين لأن الدين بلغتهم مو وبذ حافظ وموبذان موبذ هو رئيس الموابذة وقاضي القضاة ومرتبته عندهم عظيمة نحو من مراتب الأنبياء و الهرابذة دون الموابذة في الرئاسة والثاني الوزير اسمه بزرّجفر مذار تفسير ذلك أكبر مأمور والثالث الأصبهبذ وهو أمير الأمراء وتفسيره حافظ الجيش لأن الجيش أصبه وبذ حافظ على ما رتبنا والرابع دبيربذ تفسيره حافظ الكتاب والخامس هوتخشه بذ تفسيره حافظ كل من يكد بيديه كالمهنة والفرحين والتجار وغيرهم ورئيسهم ومنهم من يسميه واستريوش وكان هؤلاء المدبرين للملك والقوام به والوسائط بين الملك وبين رعيته فأما المرزبان فهو اصحب الثغرلان المرز هو الثغر بلغتهم وبان القيم وكانت المرازبة أربعة للمشرق والمغرب والشمال والجنوب كل واحد على ربع المملكة وللفرس كتاب يقال له كهناماه فيه مراتب مملكة فارس وأنها ستمائة مرتبة على حسب ترتيبهم لها وهذا الكتاب من جملة آئين ناماه تفسير آئين ناماه كتاب الرسوم وغيرهم من ذوي الرئاسات والموبذ لهم في هذا الوقت المؤرخ به كتابنا وهو سنة 345 وقد أتينا بن أذرباد بن أنميذ الذي قتله الراضي بمدينة السلام في سنة 325 وقد أتينا على خبره وقصة مقتله وما ذكر من سببه مع القرمطي سليمان بن الحسن بن بهرام الجنابي صاحب البحرين في ذلك في أخبار الراضي من كتاب مروج الذهب ومعادن الجوهر وقد تنازع من عني بأخبار الملوك والأمم في أنساب الفرس وتسمية ملوكهم ومدة ما ملكوا ولم نذكر من ذلك إلا ما ذكرته الفرس دون غيرهم من الأمم كالإسرائليين واليونانيين والروم إذ كان ما يذهبون إليه في ذلك خلاف ما حكته الفرس وكانت الفرس أحق أن يؤخذ عنها وإن كان أخبارهم قد درست مناقبهم قد نسيت وسومهم قد انقطعت لمر الزمان وتتابع الحدثان فلا نذكر منها إلا اليسير وكانوا أهل العز الشامخ والشرف الباذخ والرئاسة والسياسة فرساناً في الوغى صبراً عند اللقاء أدت إليهم الأمم الأتاوات وانقادت إلى طاعتهم خشية صولتهم وكثرة جنودهم وقد أتينا على تنازع الناس في أنساب فارس وتفرع أقاويلهم في ذلك في الجزء السابع من كتاب مروج الذهب ومعادن الجوهرة وللبابليين ملوك قد ذكروا في كثير من الكتب والزيجات في النجوم مثل النمرود ومن تلاه من النماردة وستحاريب وبخت نصر ومن كان بعده من ولده ويغرهم لم نعرض لذكرهم في هذا الكتاب للتنازع الواقع في أعدادهم وتسميتهم وسني ملكهم وتقادم أيامهم الفرس تذكر أن هؤلاء الملوك البابليين إنما كانوا خلفاء لملوكهم الأولى ومرازبة على العراق وما يليه من المغرب حيث كانت دار مملكتهم بلخ إلى أن انتقلوا عنها ونزلوا المدائن من أرض العراق وكان أول من فعل ذلك خماني ابنة بهمن بن أسفنديار قال المسعودي‏:‏ ورأيت بمدينة اصطخر من أرض فارس في سنة 303 عند بعض أهل البيوتات المشرفة من الفرس كتاباً عظيماً يشتمل على علوم كثيرة من علومهم وأخبار ملوكهم وأبنيتهم وسياساتهم لم أجدها في شيء من كتب الفرس كخداي ناماه وآئين ناماه وكهناماه وغيرها مصور فيه ملوك فارس من آل ساسان سبعة وعشرون ملكاً منهم خمسة وعشرون رجلاً وامرأتان قد صور الواحد منهم يوم مات شيخاً كان أو شاباً وحليته وتاجه ومخط لحيته وصورة وجهه وأنهم ملكوا الأرض أربعمائة سنة وثلاثاً وثلاثين سنة وشهراً وسبعة أيام وأنهم كانوا إذا مات ملك من ملوكهم صوروه على هيئته ورفعوه إلى الخزائن كي لا يخفى على الحي منهم صفة الميت وصورة كل ملك كان في حرب قائماً وكل من كان في أمر جالساً وسيرة كل واحد في خواصه وعوامه وما حدث في ملكه من الكوائن العظيمة والأحداث والجليلة وكان تاريخ هذا الكتاب أنه كتب مما وجد في خزائن ملوك فارس للنصف من جمادى الآخرة سنة 13 ونقل لهشام بن عبد الملك بن مروان من الفارسية إلى العربية فكان أول ملوكهم فيه أردشير شعاره في صورته أحمر مدنر وسراويله لون السماء وتاجه أخضر في ذهب بيده رمح وهو قائم وآخرهم يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز شعاره أخضر موشى وسراويله موشى لون السماء وتاجه أحمر قاتم بيده رمح معتمد على سيفه بأنواع الأصباغ العجيبة التي لا يوجد مثلها في هذا الوقت والذهب والفضة المحلولين ونحاسه محكوك والورق فرفيري اللون عجيب الصبغ فلا أدري أورق هو أم رق لحسنه وإتقان صنعته وقد أتينا على جمل من ذلك في الجزء السابع من كتاب مروج الذهب ومعادن الجوهر الحاوي لأخبار الفرس الأولى وهم الكيانيون والطوائف من الأشغان والأردوان وغيرهم والساسانية وطبقاتهم وأنسابهم وملوكهم إلى يزدجرد بن شهريار آخرهم ومن أعقب منهم ومن لم يعقب وسيرهم وحروبهم وحيلهم ومكايدهم فيها وكيفية غلبتهم على العراق وزوال ملك النبط والأردوان منهم والأرمان وضروب سياستهم الديانية والملوكية الخاصة منها والعامة وعهودهم وخطبهم ورسائلهم ومبلغ سني ملكهم وشعارهم وما كان من الكوائن والأحداث أعصارهم ومبدأ دين المجوسية وظهورها وخبر زرادشت نبيهم وما جاء به وخطوطهم السبعة التي كانوا يكتبون بها وأحرف كل خط منها ولما أفردوا أعيادهم من النواريز والمهرجان وعلة كل نوروذ منها وغير ذلك من الأعياد والعلة في إيقادها النيران وصبهم المياه وشدهم الكاتيج في أوساطهم كشد النصارى الزنانير وأسباب الملك وحاجة الناس إلى الملوك والتدبير والحوادث المنذرات بزوال الملك من فارس إلى العرب وما كانوا يروونه عن أسلافهم ويتوقعونه من الدلائل والعلامات في ذلك واحتراس ملوكهم عن وقوعه وضروب آنيتهم من المآكل والمشارب والملابس والمراكب والمساكن وحفروا من الأنهار وأثروا في الأرض من عجيب البنيان وبيوت النيران والعلة في عبادتهم إياها وما قالوه في مراتب الأنوار والفرق بين النار والنور وأضداد الأنوار ومراتبها ومراتب ذوي الرئاسات الملوكية والديانية من المرازبة والإصبهبذين والهرابذة والموابذة ومن دونهم ورايات الفرس وأعلامهم وتشعب أنسابهم وما قال الناس في ذلك والبيوت المشرفة فيهم من أبناء الملوك وغيرهم والشهارجة والدهاقين والفرق بينهم وبين من سكن منهم في السواد وغيره من البلاد قبل ظهور الإسلام وبعده إلى هذا الوقت المؤرخ وما تذكره الفرس في المستقبل من الزمان وينتظرونه في الآتي من الأيام من عود الملك إليهم ورجوعه فيهم وظهوره عليهم وما يذكرون من دلائل ذلك ونذراته بتأثيرات النجوم وغيرها من الأمارات والعلامات‏.‏

كظهور المنتظرين عندهم كبهرام هماوند وسشياوس وغيرهما وما يكون من قصصهم وما يحدث في الأرض من الآيات ووقوف الشمس نحواً من ثلاثة أيام وغير ذلك وذلك إلى مدة حدوها وأوقات قرروها رأينا الإضراب عن ذكرها في هذا الكتاب وقول من قال منهم بعد ظهور الإسلام أن الفرس من ولد إسحاق بن إبراهيم الخليل وما استشهدوا به على ذلك من أشعار ولد معد بن عدنان في افتخارهم بالفرس على اليمانية وأنهم من ولد أبيهم إبراهيم كقول جرير بن عطية بن الخطفي التميمي مفتخراً لنزار على اليمن ابونا خليل الله لا تنكرونه فأكرم بإبراهيم جداً ومفخرا وأبناء إسحاق الليوث إذا ارتدوا حمائل موت لابسين السنورا إذا افتخروا عدوا الصبهبذ منهم وكسرى وعدو الهرمذان وقيصرا أبونا أبو إسحاق يجمع بيننا أب كان مهدياً نبياً مطهرا ويجمعنا والغر أبناء فارس أب لا نبالي بعده من تأخرا أبونا خليل الله والله ربنا رضينا بما أعطى الإله وقدرا وكقول إسحاق بن سويد العدوي عدي قريش إذا افتخرت قحطان يوماً بسؤدد أتى فخرنا أعلى عليها وأسودا ويجمعنا والغر أبناء فارس أب لا تبالي بعده من تفردا وكقول بعض النزارية وإسحاق وإسماعيل مدا معالي الفخر والحسب اللبابا فوارس فارس وبنو نزار كلا الفرعين قد كبرا وطابا وأن الفرس قد كانت في سالف الدهر تقصد البيت الحرام بالنذور العظام تعظيماً لإبراهيم الخليل عليه السلام بابنه وأنه عندهم أجل الهياكل السبعة المعظمة والبيوت المشرفة في العالم‏.‏

وأن رجلاً تولاه فأعطاه المدة والبقاء واستشهدوا بقول بعض العرب في الجاهلية زمزمت الفرس على زمزم وذاك في سالفها الإقدام وقول من قال منهم إن منوشهر الذي ترجع إليه الفرس جميعاً في أنسابها هو منشخر بن منشخرباغ وهو يعيش بن ويزك وويزك هو إسحاق بن إبراهيم الخليل واستشهادهم بقول بعض شعراء الفرس في الإسلام مفتخراً أبونا ويزك وبه اسامي إذا افتخر المفاخر بالولاده أبونا ويزك عبد رسول له شرف الرسالة والزهاده وقول من قال منهم جميعاً‏:‏ إن الملك سينقل من ولد إسماعيل إلى ولد إسحاق وهذا هو الأغلب على ما ظنه أهل عصرنا من أصحاب التأويل مع من ينازعهم هل ذلك في ولد العيص أم في المصطفين من ولد آل عمران‏.‏

ولذوي المعرفة منهم في ذلك ألغاز ورموز وأغراض وغير ذلك من أخباره والغرر من أيامهم مما أخذناه عن علمائهم كالموابذة والهرابذة وغيرهم من ذوي المعرفة بأخبارهم بأرض العراق وخوزستان وفارس وكرمان وسجستان والماهات وغير ذلك من أرض الأعاجم ونقلناه من الكتب الصحيحة المشهورة عندهم وكتاب مروج الذهب يشتمل على الأخبار عن بدء العالم وأوليته وأقاويله الأمم في ذلك من أصحاب القدم والحدث وما احتج به كل فريق منهم لقولهم على تباينهم والخلق وتفرقهم على الأرض والأنبياء وشرائعهم والملوك وسيرهم وسياساتهم والأمم وآرائهم ونحلهم وشيعهم وأخلاقهم ومساكنهم من أخبار العرب والفرس والسريانيين واليونانيين والروم والهند والصين وغيرهم من الأمم ومن كان فيهم من الأطباء والحكماء والفلاسفة القدماء والنواحي والآفاق والأرض وشكلها وقسمتها وما على ظهرها من عجيب البنيان والعامر منها والنامر والأفلاك وهيأتها والنجوم وكيفية تأثيراتها في هذا العالم الأرضي والمتصل منها والمنفصل وما فيها وحولها من العجائب وما كان من الأرض براً فصار بحراً وبحراً فصار براً على مرور الأزمان وكرور الدهور وعلة ذلك وسببه الفلكي الطبيعي والأنهار ومبادئها ونهاياتها وأخبار الأمم الدائرة والممالك البائدة وجامع تاريخ العالم والأنبياء والملوك من آدم إلى نبينا صلّى الله عليه وسلّم ومولده ومبعثه وهجرته ومغازيه وسراياه وسواربه إلى وفاته والخلفاء والملوك من بعده وكتابهم ووزرائهم والغرر من أخبارهم وما كان من الكوائن والأحداث والحروب في أيامهم إلى سنة 45 في خلافة المطيع وهو مجزأ على ثلاثمائة وخمسة وستين جزءاً فإذا اجتمع كانت سمته كتاب مروج الذهب ومعادن الجوهر وإذا افترق كان كل جزء منه كتاباً قائماً بنفسه مضافاً إلى ما اشتمل عليه وأفرد له ذكر ملوك اليونانيين ومدة ما ملكوا من السنين عدة ملوك اليونانيين من فيلبس أبي الإسكندر إلى قلوبطرة آخرهم ستة عشر ملكاً وجملة ما ملكوا من السنين مائتا سنة وثلاث وتسعون سنة وثمانية عشر يوماً وذلك موجود في قانون ثاون وقد ذهب قوم ممن عني بأخبار سير الملوك وتواريخ الأمم إلى أن عدة ما ملكوا من السنين ثلاثمائة سنة وثلاث سنين وقيل في عدة ملوكهم ومدة سنيهم أكثر من ذلك وأقل غير أن الأشهر ما ذكرناه وكان أول من يعد من ملوك اليونانيين في التاريخ المقدم للحنفاء والقوانين والزيجات في النجوم وغيرها فيلبس أبو الإسكندر ملك سبع سنين وكان لليونانيين قبله ملوك سلفوا يتنازع في أعدادهم وسماتهم ومدة ما ملكوا من السنين الثاني ابنه الإسكدنر الملك ملك خمس عشرة سنة تسعاً منها قبل قتله دارا بن دارا وستاً بعد قتله إياه على ما في ذلك من التنازع في مدة ملكه بين المجوس والنصارى وغيرهم وأفضى الملك إليه وله ست وثلاثون سنة والعوام تكثر من سنيه وهذا هو المعول عليه الثالث ابطليموس أورنداس ملك سبع سنين الرابع ابطليموس الكصندرس ملك اثنتين وعشرين سنة وهو الذي نقلت له التوراة نقلها اثنان وسبعون حبراً بالإسكندرية من بلاد مصر من اللغة العبرانية إلى اليونانية وقد ترجم هذه النسخة إلى العربي عدة ممن تقدم وتأخر منهم حنين بن إسحاق وهي اصح نسخ التوراة عند كثير من الناس فلما الإسرائليون من الأشمعث وهم الحشر والجمهور الأعظم والعنانية وهم ممن يذهب إلى العدل والتوحيد فيعتمدون في تفسير الكتب العبرانية التوراة والأنبياء والزبور وهي أربعة وعشرون كتاباً وترجمتها إلى العربية على عدة من الإسرائليين المحمودين عندهم قد شاهدنا أكثرهم منهم أبو كثير يحيى بن زكريا الكاتب الطبراني إشمعثي المذهب وكانت وفاته في حدود العشرين والثلاثمائة ومنهم سعيد بن يعقوب الفيومي إشمعثي المذهب أيضاً وكان قد قرأ على أبي كثير وقد يفضل تفسيره كثير منهم وكانت له قصص بالعراق مع رأسا لجالوت داود بن زكي من ولد داود واعتراض عليه وذلك في خلافة المقتدر وتحزب من اليهود لأجلهما وحضر في مجلس الوزير علي بن عيسى وغيره من الوزراء والقضاة وأهل العلملفصل ما بينهم وترأس الفيومي على كثير منهم وانقادوا إليه وكانت وفاته بعد الثلاثين والثلاثمائة ومنهم داود المعروف بالقومسي وكانت وفاته سنة 334 وكان مقيماً بيت المقدس وإبراهيم البغدادي ولم أشاهدهما وقد كانت جرت بيننا وبين أبي كثير ببلاد فلسطين والأردن مناظرات كثيرة في نسخ الشرائع والفرق بين ذلك وبين اعبدا وغير ذلك وبين يهودا ابن يوسف المعروف بابن أبي الثناء تلميذ ثابت بن قرة الصابئ في الفلسفة والطب في الرقة من ديار مضر وبين سعيد بن علي المعروف بابن اشلميا بالرقة أيضاً وكذلك بين من شاهدنا من متكلميهم بمدينة السلام مثل يعقوب بن مردويه ويوسف بن قيوما وآخر من شاهدنا منهم ممن تقدم إلينا من مدينة السلام بعد الثلاثمائة إبراهيم اليهودي التستري وكان أحذق من تأخر منهم في النظر وأحسنهم تصرفاً فيه الخامس ابطلميوس الأريب ملك سبعاً وعشرين سنة السادس ابطلميوس محب أخيه ملك ستاً وعشرين سنة السابع ابطلميوس الصانع ملك خمساً وعشرين سنة الثامن ابطلميوس محب أبيه ملك سبع عشرة سنة التاسع ابطلميوس الظاهر ملك أربعاً وعشرين سنة العاشر ابطلميوس محب أمه ملك عشرين سنة الحادي عشر ابطلميوس الحوال ملك ثلاثاً وعشرين سنة الثاني عشر ابطلميوس المخلص ملك سبع عشرة سنة الثالث عشر ابطلميوس الكصندرس أيضاً ملك عشرين سنة الرابع عشر ابطلميوس قساس ملك ثمانية عشر يوماً السادس عشر قلوبطرة ابنة ابطلميوس ملكت اثنتين وعشرين سنة وكانت حكيمة ولها كتب في الرقية وغيرها وليس ابطلميوس القلوذي صاحب كتاب المجسطي وغيره من الكتب من هؤلاء البطلميوسين ولم يكن ملكاً وقد بينا ذلك في كتاب أخبار ملوك الروم الأولى فيما يرد من هذا الكتاب في ملك أنطونيوس بيوس مجملاً وفيما تقدمه من الكتب مشروحاً وأتينا في كتاب فنون المعارف وما جرى في الدهور السوالف على أخبار اليونانيين وأنسابهم وآرائهم وديارهم والتنازع في بدء أنسابهم ومن قال أنهم من ولد يونان بن يافث بن نوح ومن قال بل هو يونان بن ارعوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ومن قال بل هو يونان بن عابر أخو قحطان بن عابر ومن ذهب إلى أنهأنهم من ولد أليفز بن العيص بن إسحاق ابن إبراهيم وأنهم إخوة الروم وغير ذلك من الأقاويل وكيفية غلبة الروم عليهم ودخولهم في جملتهم حتى زال اسمهم وانقطع ذكرهم ونسب الجميع إلى الروم بغلبة أوغسطس الملك عليهم عند خروجه من رومية ومسيره إلى الشأم ومصر وتنازع الناس في الفلاسفة كفيثاغورس وثاليس وانبقليس والرواقيين وأصحاب الاصطوان وأميروس وأرسيلاوس وسقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس وثاوفرسطس وثامسطيوس وأبّقراط وجالينوس وغيرهم من الفلاسفة والأطباء أروم هم أم يونانيون وما ذكرنا من الشواهد من كتبهم أنهم يونانيون وقول من قال إنهم روم وسير ملوكهم وحروبهم وأخبار الإسكندر وسيره ومسيره في مشارق الأرض ومغاربها وما وطيء من الممالك ولقي من الملوك وبنى من المدن ورأى من العجائب وأخبار الردم وهو سد يأجوج ومأجوج وما كان بينه وبين معلمه أرسطاطاليس بن نيقوماخس صاحب كتب المنطق وغيرها وتفسير أرسطاطاليس الغداء التام وقيل تام الفضيلة لأن أرسطو هو الفضيلة وطالس تام وتفسير نيقوماخس قاهر الخصم من الرسائل والمكاتبات في ضروب السياسات الملوكية والديانية وغير ذلك وتنازع الناس في الإسكندر أهو ذو القرنين أم غيره وما قيل في ذلك وما كان من أخبار خلفائه بعده كانطيخس الباني مدينة أنطاكية وإلى اسمه أضيفت فعربتها العرب فسمتها أنطاكية وكسليقس الباني مدينة سلوقية وغيرهما وما كان بينهم وبين من كان بالإسكندرية من بلاد مصر من الحروب وأخبار الفلاسفة وآرائهم الإلهيين منهم والطبيعيين ومن قتل منهم وما كانوا عليه من الآراء إلى عهد سقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس من الفلسفة المدنية وما أحدثوه من الآراء خلافاً على ما تقدم ومباينة للفلسفة الأولى الطبيعية التي إليها كانت يذهب فوثاغورس وثاليس الملطي وعوام اليونانيين وصابئو المصريين الذي بقيتهم في هذا الوقت صابئو الحرانيين وقد ذكر ذلك أرسطاطاليس في كتابه في الحيوان وهو تسع عشرة مقالة فقال ولما كان منذ عشرين سنة من زمن سقراط مال الناس عن الفلسفة الطبيعية إلى الفلسفة المدنية وما ذهب إليه سقراط ومن رأى رأيه ممن سميناه في الموجود الأول الذي اقتبست الموجودات وجودها عنه وكيف يفيض عليها بجوده وكيف حصلت الموجودات عنه وعلى أي شيء هي سبب وجودها وغاية لها وعلى أي جهة ينبغي أن يعتقد وكيف ترتيب مراتبها في الوجود وكيف ارتبط بعضها ببعض وبأي شيء ارتبطت وائتلفت ومن أي شيء موادها وما جواهر الأجسام الطبيعية التي تحتوي عليها الأجسام السمائية وهي الأجسام الهيولانية وما مراتب الروحانيين وما فوض إلى كل واحد منهم من التدبير ونفس الإنسان وكم قواها وما فعل كل واحد منها ومراتب بعضها في بعض وإحصاء جمل أعضائها ومراتبها وأي القوى هي الرئيسة وما مراتبها ومن انتهى في الرئاسة وأيها المخدومة وأيها الخادمة وكيف يحدث العقل في الإنسان وكيف فعل العقل الفعال في الحر الناطق وتنازع الناس في السعادة المطلوبة التي لها كون الإنسان وما الشقاء الذي يصير إليه إذا حاد عن طريق السعادة وذكر المنام وأصناف الرؤيا ولأي جزء من أجزاء النفس ذلك وما الرؤيا الصادقة ومن أين تحصل للنفس وكيف صارت الصادقة تدل وعلى أي جهة تدل وكيف الطريق إلى علم عبارة الرؤيا وما الحاجة إلى الاجتماعات الإنسانية وأصناف الاجتماعات وهي التي بها يتعاونون على بلوغ أغراضهم التي إليها يأتمون وأيها عظمي وأيها وسطي وأيها صغري وما الاجتماع المدني الذي يكون في المدينة الفاضلة وما المدينة الفاضلة وما مراتب أجزائها ومراتب رئاساتها وكيف صارت منزلة أجزاء هذه المدينة منزلة أعضاء الحيوان من الحيوان فإنهم يتعاونون على تكميل السعادة للإنسان كما يتعاون أعضاء الحيوان على تكميل حياة الحيوان وكيف ينبغي أن يكون ملك هذه المدينة ورئيسها الأول وأي علامات وشرائط ينبغي أن يكون فيه من مولده وفي صبائه وحداثته يرشح بها لملك المدينة الفاضلة والفضائل التي يصير بها سائساً كاملاً ورئيساً فاضلاً وبأي آداب وصناعات يؤدب فتمكن فيه حتى تحصل له مهنة الملكية الفاضلة وفي أي الأمم يوجد ذلك في الأغلب وفي أيها في النادر وهل هو جزء من أجزاء المدينة أم غيرها على ما في ذلك من التنازع بين أفلاطون وأرسطاطاليس على حسب ما ذكره أفلاطون في كتاب الفحص عن ملك المدينة الفاضلة الذي هو الفيلسوف في الحقيقة وذكره أرسطاطاليس في كتابه في السياسة المدنية وعدد أجزاء هذه المدينة ومثلها الطبيعية وكيف ينبغي أن تكون الرئاسات التي تتبع الرئيس الأول في هذه المدينة وبماذا تكمل وتلتئم تلك الرئاسات وكم أصناف المدن المضادة للمدينة الفاضلة كالمدن الجاهلية والمدن الضالة والمدن الفاسقة ومراتب ملوكهم ورئاساتهم ونحو ماذا يؤمون وعلى بلوغ أي غرض يتعاونون وما أصناف السعادات التي تصير إليها أنفس أهل المدينة الفاضلة في الحياة الآخرة وأصناف الشقاء التي تصير إليها أنفس أهل المدن المضادة للمدينة الفاضلة في الحياة الآخرة وما الأشياء التي ينبغي أن يعلمها ويعمل بها أهل المدينة الفاضلة باشتراك وعلى العموم لينالوا بها السعادة الكاملة المطلوبة وما العلامات التي يتميز بها أهل المدينة الفاضلة من باقي الأمم والمدن المضادة لهم وما ينبغي أن تكون عليه أحوال أهل المدينة الفاضلة متى لم تكن لهم مدينة تخصهم وكانوا غرباء في المدن المضادة لمدينتهم وذكر الأصول الفاسدة التي منها تفرعت أصناف الآراء والاجتماعات والمدن والرئاسات الجاهلية والأصول الفاسدة التي منها تنشأ أصناف الآراء والاجتماعات والمدن والرئاسات الضالة وقولهم في الأوائل بها وجود سائر الموجودات وهي الأول أكملها وجوداً إذ لم يكن وجوده لأجل غيره ووجود كل ما سوه لأجله والأشياء منه لا هو منها اقتبست وجودها من وجوده فهو كل الأشياء‏.‏

وليست الأشياء هو ومعرفته الواجبة ألاّ طريق إليه إلا منه ولا سبيل إليه إلا به إذا كانت العلة لا يدركه معلول ولا محدث قديماً ولا مخلوق خالقاً والثواني التي تليه في الوجود ومراتبها بحسب مراتب الأجسام السمائية وعددها على عددها والعقل الفعال والنفس والصورة والهيولي وأن باقي الموجودات هي الأجسام وأجناسها ستة الجسم السمائي والحيوان الناطق والحيوان غير الناطق والنبات والأجسام وما ذهبوا إليه في العقل الأول والثاني والنفس وما تحت ذلك من الطبائع وأن العقل هو العلة المتوسطة بين الله عز وجل وبين خلقه والسبب الذي شرفت به النفس الناطقة في عالمها والمرآة التي بها تنظر إلى محاسنها ومساويها وبها تتأمل صور مهالكها ومناجيها وقولهم في النفس الناطقة وغيرها من النفوس كالنزاعية والتخيلية والحسية والبهيمية وما يرتبط منها بالأجسام السمائية التي هي على أعدادها ومقسومة عليها وأن النفس الناطقة جوهر بسيط من جوهر الحي الذي لا يموت وأن موتها انتقالها من جسم إلى جسم وأنها إذا فارقت البدن عاينت كل ما في العوالم ولمي خف عليها خافية وأن غرضها وغايتها القصوى السعادة واللحاق بعالم العقل وهي الإنسان على الحقيقة والعلة في نزولها من عالم العقل إلى عالم الحس حتى نسيت بعد الذكر وجهلت بعد العلم وقول من رأى ذلك منهم ولأية علة صار الإنسان العالم الصغير وما اجتمع فيه وشبه به من سائر الأشياء وما الاتصال والنسبة بين العوالم عند من ذكرنا قوله وما ذهب إليه أرسطاطاليس في أزلية العلة والمعلول وذكره ذلك في المقالة الأولى من كتابه في سمع الكيان وفي المقالة الثامنة منه أيضاً وهو ثماني مقالات وفي كتاب السماء والعالم وهو أربع مقالات وفي كتاب ما بعد الطبيعة وهو ثلاث عشرة مقالة وقول سائر أهل الشرائع مع تنازعهم وغيرهم من أصحاب القدم في المعاد بعد مفارقة النفوس الأجساد وقول أصحاب التأويل وغيرهم في الروح اللطيف الغير محسوس والكثيف المحسوس وغير ذلك من حدودهم المؤيد منها والمقصود وسائر الآراء والنحل قال المسعودي‏:‏ وأرسطاطاليس هو تلميذ أفلاطون‏.‏

وأفلاطون تلميذ سقراط وسقراط تلميذ أرسيلاوس في الطبيعيات - دون غيرها من العلوم - وتفسير أرسيلاوس رأس السباع وأرسيلاوس تلميذ أنكساغورس وقد ذكرنا في كتاب فنون المعارف وما جرى في الدهور السوالف الفلسفة وحدودها والأخبار من كمية أجزائها وما ذكره فوثاغورس‏.‏

وثاليس الملطي والرواقيون وأفلاطون وأرسطاطاليس وغيرهم‏.‏

وتنازعهم في ذلك وصفة الفيلسوف الذي يجب له في الحقيقة هذا الاسم ويطلق عليه وكيفية سيرته وأخلاقه وأوصافه وصورته‏.‏

ومراتب الفلسفة وعلى ماذا استقرت وكيف وقعت التعاليم بها إلى هذا الوقت وإلى ماذا انتهت والغرض من كتب المنطق ووصفها والحاجة التي دعت إلى تأليف كتب المنطق وما المنفعة التي تستفاد منها‏.‏

ولم صارت ثمانية كتب‏.‏

وما العلة في هذا الترتيب وما الغرض المقصود في كل واحد منها وما الأشياء التي ينبغي أن يبتدئ بالنظر فيها من أراد قراءة كتب المنطق‏.‏

وفي أي صنف من الصناعات تدخل صناعة الفلسفة‏.‏

وكم حدودها‏.‏

وإلى من يضاف كل حد منها من الفلاسفة ومن أي الجهات استخرجت حدودها‏.‏

وما معنى كل حد منها‏.‏

وكم أقسام الفلسفة الأوالي والثواني‏.‏

ولم قسمت بهذه القسمة وجرت قسمتها هذا المجرى ولأية علية ابتدئ بالفلسفة المدنية من سقراط ثم أفلاطون ثم أرسطاطاليس ثم ابن خالته ثاوفرسطس ثم أوذيمس ومن تلاه منهم واحداً بعد آخر وكيف انتقل مجلس التعليم من أثينة إلى الإسكندرية من بلاد مصر وجعل أوغسطس الملك لما قتل قلوبطرة الملكة التعليم بمكانين الإسكندرية ورومية ونقل تيدوسيوس الملك الذي ظهر في أيامه أصحاب الكهف التعليم من رومية ورده إياه إلى الإسكندرية ولأي سبب نقل التعليم في أيام عمر بن عبد العزيز من الإسكندرية إلى أنطاكية ثم انتقاله إلى حران في أيام المتوكل وانتهى ذلك في أيام المعتضد إلى قويري ويوحنا بن حيلان وكانت وفاته بمدينة السلام في أيام المقتدر وإبراهيم المروزي ثم إلى أبي محمد بن كرنيب وأبي بشر متى بن يونس تلميذي إبراهيم المروزي وعلى شرح متى لكتب أرسطاطاليس المنطقية يعول الناس في وقتنا هذا وكانت وفاته بغداد في خلافة الراضي ثم إلى أبي نصر محمد ابن محمد الفارابي تلميذ يوحنا بن حيلان وكانت وفاته بدمشق في رجب سنة 339 ولا أعلم في هذا الوقت أحداً يرجع إليه في ذلك إلا رجلاً واحداً من النصارى بمدينة السلام يعرف بأبي زكرياء بن عدي وكان مبدأ أمره ورأيه وطريقته في درس طريقة محمد بن زكرياء الرازي وهو رأي الفوثاغوريين في الفلسفة الأولى على ما قدمنا فلنذكر الآن ملوك الروم على طبقاتهم الصابئين منهم والمتنصرة‏.‏

وجملة ما ملكوا من السنين وما كان من الحوادث العظيمة في أيامهم وبلادهم وغير ذلك من أخبارهم ذكر ملوك الروم على طبقاتهم من الحنفاء وهم الصابئون والمتنصرة وعدتهم وجملة ما ملكوا من السنين عدة ملوك الروم جميعاً من عائيوس قيصر اول ملوكهم إلى قسطنطين بن لاون بن بسيل الملك عليهم في هذا الوقت وهو سنة 345 في خلافة المطيع ثمانية وسبعون ملكاً من ذلك الملوك الصابئون المسمون بالحنفاء قبل النصرانية أربعون ملكاً والمتنصرة من قسطنطين بن هيلاني إلى قسطنطين بين لاون هذا ثمانية وثلاثون ملكاً وجملة ما ملكوا من السنين تسعمائة وست وستون سنة وشهر من ذلك الصابئون ثلاثمائة وأربع وسبعون سنة وثلاثة أشهر والمتنصرة إلى ملك قسطنطين ابن لاون خمسمائة وإحدى وتسعون سنة وعشرة أشهر الصابئون كان أول من يعد ممن ملك منهم برومية غائيوس قيصر ملك ثماني عشرة سنة وقد كان ملك بها قبله ملوك أولهم روملس وأرمانوس البانيان لها المعروفان بابني الذئبة وإلى اسمها أضيفت رومية وأضيف الروم إلى اسمهما وغيرهما من الملوك غير أن غائيوس أول من يعد في التاريخ القديم وقيل إن أول من ملك الروم رهماساطوخاس وهو جائيوس الأصفر بن روم ابن سملاحين بن هريا بن علقا بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الثاني من ملوك رومية يوليوس ملك أربع سنين وأربعة أشهر والثالث أوغسطس وتفسير أوغسطس باللغة الإفرنجية الأولى الضياء وسمي قيصر تفسير ذلك بهذه اللغة شق عنه وذلك أنهم ذكروا أن أمه مات وهي مقرب به فشق عنه بطنها واستخرج وصار ذلك كالسمة كثير من ملوكهم‏.‏

واشتهر ذلك عنهم فسمتهم العرب بالقياصرة ملك ستاً وخمسين سنة وخمسة أشهر وأكثر من عني بأخبار ملوك الروم وتواريخهم بأوغسطس يبتدئ لأنه أول ملك من ملوك الروم خرج عن مدينة رومية دار مملكته وسير جنوده براً وبحراً فاستولى على ملك اليونانيين ومصر والشام‏.‏

وقتل قلوبطرة آخر ملوك اليونانيين فاجتمع له ملك الروم واليونانيين وزالت رسوم اليونانيين فسمي الجميع روماً وذلك لاثنتي عشرة سنة خلت من ملكه وولى هيرودس بن أنطيقوس على أورشلم وهي بيت المقدس وجبل يهودا وجبل الجليل ولاثنتين وأربعين سنة خلت من ملكه كان مولد المسيح عليه السلام ببيت لحم من بلاد فلسطين يوم الأربعاء لست بقين من كانون الأول وكانت مريم يوم ولدته بنت ثلاث عشرة سنة عند النصارى وكان جميع عمرها إحدى وخمسين سنة منها بعد رفع المسيح ست سنين فكان من آدم إلى مولده عندهم خمسة آلاف سنة وخمسمائة سنة وست سنين ومن زوال ملك قلوبطرة آخر من ملك اليونانيين على ما قدمنا في هذا الكتاب إلى مولده ثلاثون سنة الرابع طيباريوس قيصر ملك ثلاثاً وعشرين سنة وهو الذي بنى مدينة طبرية من بلاد الأردن من أرض الشأم وإلى اسمه أضيفت فعربتها العرب حين افتتحت البلاد فقالت طبرية ولخمس عشرة سنة خلت من ملكه عمد إيشوع الناصري عند النصارى في نهر الأردن وكان المعمد له ابن خالته يحيى بن زكرياء ولذلك سمي يحيى المعمداني واسم أمه صابات وكان أكبر من إيشوع بستة أشهر ولسبع عشرة سنة خلت من ملكه وهي سنة 342 للإسكندر بن فيلبس الملك كان عند النصارى صلب إيشوع الناصري وذلك في يوم الجمعة الثالث والعشرين من آذار وهو عندهم منه مثل اليوم الذي أهبط فيه آدم من الجنة ومات عندهم ودفن وقام وانبعث من بين الموتى حياً وصعد إلى السماء وله ثلاث وثلاثون سنة ولا يصعد عندهم إلى السماء إلا من نزل منها وكان فصح اليهود في هذه السنة يوم السبت لسبع بقين من آذار وفصح النصارى إلى قيامة المسيح يوم الأحد لست بقين من آذار والصعود يوم الخميس لثلاث خلون من نيسان والنصارى تصوم يوم الأربعاء لأن إيشوع ولد فيه والجمعة لأنه صلب فيه عندهم تطوعاً لا فريضة الخامس غائيوس بن طيباريوس ملك أربع سنين وقتل اصطفنوس رئيس الشمامسة والشهداء عند النصارى ويعقوب أخا يوحنا بن زبدي في خلق كثير من النصارى السادس قلوذيوس بن طيباريوس ملك أربع عشرة سنة وفي أول سنة من ملكه قتل أغريفوس عامله على الإسرائليين يوحنا بن زبدي أحد التلاميذ وحبس شمعون الصفا ثم خلص شمعون الصفا من الحبس وصار إلى مدينة أنطاكية والنصارى يدعونها مدينة الله ومدينة الملك وأم المدن لأنها أول بلد أظهر فيه دين النصرانية وبها كرسي بطرس ويسمى شمعون وسمعان وهو خليفة إيشوع الناصري والمرأس على سائر التلاميذ الاثني عشر والسبعين وغيرهم فشرع بطرس في بناء الكنيسة المعروفة في أنطاكية بالقسيان إلى هذا الوقت وفي السنة الثالثة من ملكه دخل شمعون الصفا مدينة رومية وسقف بها ودبرها سنين ودانت امرأة الملك وكان اسمها فروطانيقي ويقال لها بطريقية النصرانية وصارت إلى أروشلم وهي بيت المقدس فأخرجت الخشبة التي تظن النصارى أن المسيح صلب عليها ويسمونها صليب المسيح وكانت في أيدي اليهود قد منعوا النصارى منها فأخذتها منهم وردتها على النصارى وقوت أمرهم ونحن ذاكرون لمعاً من أخبار هذه الخشبة وإلام آل أمرها في قصة هيلاني أم قسطنطين فيما يرد من هذا الكتاب وإن كنا قد أتينا على شرح ذلك فيما سلف من كتبنا السابع نيرون بن قلوذيوس ملك ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر ولثلاث عشرة سنة خلت من ملكه قتل بطرس وبولس بمدينة رومية وصلبهما منكسين وذلك بعد إيشوع باثنتين وعشرين سنة وقد أتينا على خبر بطرس بمدينة ورمية مع سيمن المصري الذي تسميه النصارى جميعاً إلا الأريوسية الساحر وكان صحب إيشوع ثم خالفهم فيما سلف من كتبنا وفي السنة الثامنة من ملكه وثبت اليهود بأروشلم فيما ذكرت النصارى على يعقوب بن يوسف أخي إيشوع الناصري عندهم في الجسمية وكان أول أساقفة بيت المقدس وألقوه على رأسه من أعلى الهيكل فمات لامتناعه من الرجوع إلى مذهبهم ومقامه على دين النصرانية ودفن إلى جانب الهيكل وهدموا البيعة وأخذوا خشبة الصليب وخشبتي اللصين فدفنوها في قبر واحد وفي أيام هذا الملك فيما قيل كان مارينوس الحكيم صاحب كتاب جغرافيا في صورة الأرض وشكلها وبحارها وأنهارها وعامرها وغامرها وقد ذكره أبطلميوس القلوذي في كتاب جغرافيا في صورة الأرض وشكلها أيضاً وأنكر عليه أشياء ذكرها الثامن غلباس ملك سبعة أشهر التاسع أوثون ملك ثلاثة أشهر العاشر بيطاليس ملك ثمانية أشهر الحادي عشر إسباسيانوي ملك تسع سنين وسبعة أشهر ووجه بابنه طيطوس في السنة الثانية من ملكه إلى أورشلم لخلاف كان منهم عليه فحصرها وافتتحها عنوة وقتل أكثر اهلها من اليهود النصارى وخرب الهيكل وكان عدة من قتل من الإسرائليين فيما ذرك نحواً من ثلاثة آلاف ألف الثاني عشر طيطوس بن إسباسيانوس ملك سنتين وثلاثة أشهر وفي أول سنة من ملكه أظهر مرقيون مقالته وهي القول بالاثنين الخير والشر وسعد ثالث بينهما وكان ابناً لبعض الأساقفة ببلاد حران وإليه تنسب المرقيونية من أصحاب الاثنين الثالث عشر دومطيانوس بن إسباسيانوس ملك خمس عشرة سنة وعشرة أشهر الرابع عشر نرواس قيصر ملك سنة وخمسة أشهر الخامس عشر طريانوس قيصر ملك تسع عشرة سنة وفي السنة السادسة من ملكه كانت وفاة يوحنا التلميذبمدينة أفسيس بعد أن كتب الإنجيل في جزيرة من جزائر البحر السادس عشر إيليا أذريانوس ملك عشرين سنة وقتل من اليهود بأورشلم وجبل يهودا وجبل الجليل وغيرها من أرض الشأم مقتلة عظيمة لخلاف كان منهم عليه وكذلك من النصارى وخرب أورشلم وهو آخر خرابها فلما مضى من ملكه ثمان سنين عمرها وسماها إيليا فصارت سمة لها إلى هذا الوقت وأسكنها جماعة من اليونانيين والروم وبنى على الأقرانيون المقبرة هيكلاً عظيماً للزهرة وبنى نحو الهيكل الذي يدعى البهاء برجاً عظيماً وجعل على أعلاه لوحاً من الرخام مكتوباً فيه الذهب اسم الملك إيليا وهذا البرج إلى هذا الوقت وهي سنة 345 يسمى محراب داود وهو متصل بسور المدينة وإنما بني بعد داود بمئتين من السنين وكان بنياناً عظيماً سبع طبقات فهدم من أعاليه وفي أيامه كان ساقندس الفيلسوف الصامت وقد أتينا على خبره مع هذا الملك وغيره وإشارته ورموزه في كتاب الاستذكار لما جرى في سالف الأعصار السابع عشر أنطونينوس بيوس ملك اثنتين وعشرين سنة قال المسعودي‏:‏ وفي أيامه كان أبطلميوس القلوذي صاحب كتاب المجسطي وجغرافيا والمقالات الأربع والقانون الذي عمل عليه ثاون الإسكندراني وكتاب الأنواء وكتاب الموسيقي وإن لم يذكر العود فيه فذلك دليل على أنه حدث بعده وغير ذلك مما أضيف إليه من الكتب وهو بطلاماوس بلغتهم وقيل إنه من ولد قلوذيوس السادس من ملوك الروم على ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب وكانت أرصاده التي أرخ بها المجسطي في ملك أنطونينوس هذا وذلك موجود في المقالة التاسعة من هذا الكتاب وقد أدرك جالينوس عصره وشاهده في حال صباه وجالينوس يعينه في كثير من أقاويله وأرصاده لمخالفته إبرخس صاحب الأرصاد القديمة وقد غلط كثير من الناس ممن يدعي المعرفة بأخبار حكماء الأمم وفلاسفتهم والملوك ومن كان منهم في أعصارهم فجعلوه بعض ملوك اليونانيين بعد الإسكندر المسمين بهذا الاسم وأنه أبو قلوبطرة الملكة الحكيمة آخر من ملك من ملوك اليونانيين المقدم ذكرها فيما سلف من هذا الكتاب وذكروا أموراً أيدوا بها قولهم هذا قال المسعودي‏:‏ ومن أدل الدلائل على بطلان قولهم أن أبطليموس ذكر في النوع الثامن من القول الثالث من كتاب المجسطي أنه رصد الشمس بالإسكندرية فوجد الاعتدال الخريفي في اليوم السابع من الشهر الثالث من شهور القبط سنة 880 لبخت نصر فإذا نظرنا ما بين ملك بخت نصر إلى غلبة الإسكندر لدارا وهو أربعمائة سنة وتسع وعشرون سنة وثلاثمائة وستة عشر يوماً ومن غلبته إياه إلى زوال ملك قلوبطرة آخر من ملك من اليونانيين الملقبيبن بالبطلميوسين الذين ملكوا بالإسكندرية بعد الإسكندر بغلبة أوغسطس ملك الروم على ملكها على ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب مائتا سنة وست وثمانون سنة وثمانية عشر يوماً ومنذ غلبة أوغسطس إلى وفاته أربع وأربعون سنة وملك بعده من ملوك الروم إلى أنطونينوس الذي ذكرنا أن أبطلميوس كان في أيامه من السنين مائة سنة وثلاثاً وعشرين سنة وسبعة أشهر فمنذ ملك بخت نصر إلى ملك أنطونينوس هذا على هذه المسافة ثمانمائة واثنتان وثمانون سنة وثمانية أشهر وأربعة عشر يوماً وجدنا ذلك موافقاً لما حكيناه عن أبطلميوس من تاريخ رصده الثامن عشر مرقس ويسمى أورلليوس قيصر ملك تسع عشرة سنة وفي ملكه أظهر أبرديصان مقالته وكان أسقفاً للرهاء من بلاد الجزيرة وإليه تضاف الديصانية من أصحاب الاثنين وتفسير أيرديصان وهي كلمة سريانية ابن النهر والنهر هناك معروف بديصان إلى هذا الوقت على باب من أبواب الرهاء يعرف بشاعا مصبه إلى ناحية حلوان ثم ينتهي إلى نهر البليخ وإنما يجري شهوراً وينقطع في القيظ وله كنيسة على هذا النهر مما يلي الباب يعيد لها النصارى عيداً في السنة وقيل إنه كان منبوذاً أصيب على شاطئ هذا النهر فأضيف إليه التاسع عشر قوموذوس بن أنطونينوس ملك اثنتي عشرة سنة وفي أيامه كان جالينوس تاج الأطباء وإمامهم في عصره الذي به يقتدون وعلى كتبه يعولون والمفسر لكتب أبقراط والملخص لها بمدينة أبرغامس من أرض اليونانيين وقد ذكر ذلك جالينوس في كتابه في أخلاق النفس في فهرست كتبه وبين الإسكندر وقوموذوس الملك هذا خمسمائة سنة ونيف قد بين ذلك جالينوس في كتابه في الأخلاق أيضاً فينبغي أن يكون لجالينوس إلى وقتنا هذا وهو سنة 1267 للإسكندر وسنة 345 للهجرة سبعمائة سنة ونيفاً على التقريب وكان جالينوس بعد المسيح بنحو مائتي سنة وقد كان دين النصرانية ظهر في الروم واليونانيين وغيرهم في أيامه وذكر جالينوس المتدينين من النصارى في كتابه في جوامع كتاب أفلاطون في السياسة لأنه كان مديناً بذلك‏.‏

وبين جالينوس وبين أبقراط نحو من ستمائة سنة لأن أبقراط كان قبل الإسكندر بقريب من مائة سنة في أيام أرطخشست من ملوك الفرس الأولى وأرى أنه بهمن بن أسفنديار بن كيبشتاسب بن كيلهراسب وقد ذكر ذلك جالينوس في تفسير كتاب إيمان أبقراط وشرحه له وترجمه حنين بن إسحاق فحكى أن أرطخشست هذا وجه إلى عامله على مدينة قوس من أرض اليونانيين - وهم يومئذ في طاعته ت بأمره بدفع قناطير من المال إليه وحمله إليه مكرماً لأنه نال من الفرس في ذلك الوقت داء يقال له الموتان فامتنع أبقراط من ذلك لأنه لم ير من العدل إشفاء الفرس وهم أعداء اليونانيين قال المسعودي‏:‏ والبقارطة ثلاثة أبقراط هذا صاحب الكتب المصنفة في الطب التي ترجمها وشرحها جالينوس وغيره ككتاب الفصول وكتاب تقدمة المعرفة وهو كتاب الأمراض الحادثة وكتاب ماء الشعير وهو كتاب تدبير الأمراض وكتاب أبتديما وهو كتاب الأهوية والبلدان وغير ذلك من الكتب المنسوبة إليه من السنن وغيرها وهو من ولد سقلابيوس وكان معظماً في اليونانيين وله هيكل وسقلابيوس هذا من ولد أبلوان وكان معظماً لحكمته له أيضاً هيكل في بعض الجزائر كان يحج إليه في أيام اليونانيين قبل ظهور النصرانية وقد ذكره أفلاطون في كتابه المسمى فادن في النفس والاثنان الباقيان من البقارطة من أولاده أيضاً لأنه كان لأبقراط الكبير ابنان أحدهما يقال له تاسلوس والآخر دراقن وكان لكل واحد منهما ابن سماه باسم جده أبقراط ذكر ذلك غير واحد ممن تقدم وتأخر منهم حنين بن إسحاق في كتابه في الاسطقسات على رأي جالينوس على طريق المسألة والجواب إلى ابنية إسحاق وداود العشرون برطيقس قيصر ملك ثلاثة أشهر الحادي والعشرون يوليانوس قيصر ملك شهرين الثاني والعشرون سورس ملك سبع عشرة سنة وشمل اليهود والنصارى في أيامه القتل والأذى والتشريد وسار إلى بلاد مصر فبنى بالإسكندرية هيكلاً عظيماً سماه هيكل الآلهة الثالث والعشرون أنطونيوس ملك ست سنين الرابع والعشرون مقرينوس ملك سنة وشهرين الخامس والعشرون أنطونيوس الثاني ملك أربع سنين السادس والعشرون الأكصندرس ويلقب مامياس ملك ثلاث عشرة سنة السابع والعشرون مقسميانوس ملك ثلاث سنين الثامن والعشرون بوبينوس ملك ثلاثة أشهر التاسع والعشرون غرديانوس ملك ست سنين الثلاثون فيلبس قيصر ملك ست سنين ودعي إلى دين النصرانية فأجاب وترك ما كان عليه من مذاهب الصابئين وابتعه على ذلك كثير من أهل مملكته فآل ذلك إلى تحزبهم واختلاف كلمتهم في الديانة وكان فيمن خالفه عليه بطريق من بطارقته ويقال له داقيوس فقتل فيلبس واستولى على الملك الحادي والثلاثون داقيوس ملك سنتين ونتبع النصارى فقتل منهم مقتلة عظيمة ومنه هرب الفتية أصحاب الكهف وهم في جبل من جبال الروم يعرف بخاوس شرقي مدينة أفسيس وهي على نحو ألف ذراع منها وكانت هذه المدينة على بحر الروم فبعد البحر عنها في هذا الوقت وخربت وأحدثت مدينة على نحو ميل منها قال المسعودي‏:‏ وقد ذركنا في كتاب الاستذكار لما جرى في سالف الأعصار الذي كتابنا هذا تال له في أخبار ملوك الروم تنازع الناس في أصحاب الكهف والرقيم ومواضعهم وهل هم أصحاب الرقيم أم هؤلاء غيرهم ومن قال منهم أن الرقيم بالهوته وهي خارمي من بلاد الروم بين عمورية ونيقية وكيفية تزوار الشمس في حال طلوعها وغروبها عن الكهف والعلة في ذلك على الشرح والإيضاح وما كان من توجيه الواثق لمحمد بن موسى بن شاكر المنجم إلى هناك وما شاهد قال المسعودي‏:‏ وللناس ممن عني بهيئة الفلك وعلم النواحي والآفاق وتأثيرات الأجسام السمائية في هذا العالم في كيفية ازورار الشمس عن كهفهم في حال طلوعها وغروبها لموضعهم من الشمال كلام كثير من ذلك أن كل بيت يستقبل بابه الشمال في البلدان الخارجة عن مدار السرطان إلى ناحية الشمال وكل بلد عرضه أكثر من أربع وعشرين درجة فإن الشمس إذا طلعت أخذت عن يمين الباب وإذا توسطت السماء كانت على ظهر البيت وإذا غربت أخذت عن ذات الشمال‏.‏

وهذا الصقع الذي فيه الكهف واغل في الشمال وباب الكهف مستقبل الشمال وذكر هؤلاء أن مدينة أفسيس التي هذه مدينة أصحاب الكهف في الإقليم الخامس طولها من المغرب سبع وخمسون درجة تامة وعرضها ثمان وثلاثون درجة ويمكن أن يكون الله عز وجل خلق لهم هذا الكهف مستقبل الشمال على ما ذكرنا تكرمة لهم وليجعلهم آية للعالمين وقد أخبر الله عز وجل عن ذلك بقوله ‏"‏ وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ‏"‏ الثاني والثلاثون غليوس قيصر ملك سنتين وكان شريكه في الملك أخوه يوليانوس الثالث والثلاثون غالينوس قيصر ويلقب والاريانوس ملك خمس عشرة سنة الرابع والثلاثون قلوذيوس الثاني ملك سنة وفي أيامه كان ظهور ماني وإليه أضيفت المانوية من أصحاب الاثنين وقد تقدم ذكره فيما سلف من هذا الكتاب في أخبار ملوك الفرس الثانية وهم الساسانية في ملك سابور بن أردشير وما كان من مقتله في ملك بهرام بن هرمز بن سابور مجملاً وفيما سلف من كتبنا مفصلاً مشروحاً وقول أصحاب المانوية إنه الفارقليط الذي وعد به المسيح وما ذكر ماني من ذلك في الجبلة وفي كتابه المترجم بالشابرقان وفي كتاب سفر الأسفار وغيرها من كتبه والحجاج بين سائر أصحاب الاثنين من المانوية والديصانية والمرقيونية وغيرهم من الفلاسفة في المبادئ الول وغير ذلك وقد ذكر ماني ف كثير من كتبه المرقيونية والديصانه وأفراد للمرقيونية باباً في كتابه المترجم بالكنز وللديصانية باباً في كتابه سفر الأسفار وغير ذلك من كتبه وإنما ذكرنا ذلك دلالة على أنهما كانا قبله إذ كثير من لا علم له بأرباب الآراء والنحل والمذاهب والملل يعتقد أنهما كانا بعده الخامس والثلاثون أورلليوس بن قلوذيوس ملك ست سنين السادس والثلاثون طاقطوس وعاضده على الملك أخوه فوروس ملكا تسعة أشهر السابع والثلاثون بروبس ملك تسع سنين الثامن والثلاثون قاروس ملك سنتين وخمسة أشهر الأربعون مقسيميانوس وشاركه في الملك مقسنطيوس بن مقسيميانوس فاقتسما المملكة بعد خطوب كثيرة وحروب عظيمة قد ذكرناها في كتاب أخبار الزمان ومن أباحه الحدثان من الأمم الماضية والأجيال الخالية والممالك الداثرة فتملك مقسيميانوس على الشأم ومما يلي بلاد الجزيرة ومواضع من أرض الروم وتملك مقسنطيوس على مدينة رومية وما اتصل بذلك من أرض الإفرنجة وتملك معهما على بلاد بوزنطيا وما يليها قسطنس أبو قسطنطين ثم هلك قسطنس فأفضى أمر المملكة إلى ولده قسطنطين المعروف بأمه هيلاني وكانت له مع مقسيميانوس ومقسنطيوس برومية وغيرها حروب طويلة إلى أن هلك مقسنطيوس وخلع مقسيميانوس نفسه وكانت مدة ملكهما نحواً من تسع سنين قال أبو الحسن علي بن الحسين علي المسعودي‏:‏ فهذه الطبقة الأولى من ملوك الروم الذين كانوا على دين الصابئة وهي الحنيفية الأولى وهم أربعون ملكاً وفي زيج ثاون الإسكندراني أن عدة الملوك من أوغسطس إلى قسطنطين بن هيلاني تسعة وعشرون ملكاً وسبيل هؤلاء الملوك من أوغسطس إلى قسطنس أبي قسطنطين سبيل ملوك الفرس الأولى والطوائف من جيومرت إلى أردشير مضطرب تاريخهم متنازع في أعدادهم غير محصلة أوقاتهم وإنما يعول على تاريخ ملوك الروم من قسطنطين المظهر لدين النصرانية والمحارب عليها كما تعول الفرس في تاريخ سنيها وتحصيل أيام ملوكها مذ ملك أردشير بن بابك على أنا لم نأل جهداً في تحصيل أعداد ملوكهم ومدة أيامهم ونحن ذاكرون الطبقة الثانية من ملوك الروم المتنصرة قبل ظهور الإسلام وبعده إلى هذا الوقت المؤرخ به كتابها وهو سنة 345 ذكر الطبقة الثانية من ملوك الروم وهم المتنصر وتأريخهم وأعدادهم وما كان من الكوائن والأحداث العظام الديانية والملوكية في أيامهم أول ملوك هذه الطبقة قسطنطين بن قسطنس يعرف بأمه هيلاني وإليها ينسب على ما قدمنا ملك اثنتين وثلاثين سنة وثلاثة أشهر وهو الذي أظهر دين النصرانية وحارب عليها حتى قبلت وانتشرت في البلاد إلى هذه الغاية وقد ذكرنا في كتاب الاستذكار لما جرى في سالف الأعصار التنازع في سبب تنصره وتركه ما كان عليه من مذاهب الحنفاء وما قالت الحنفاء في ذلك من ظهور الوضح في جسه وإجماعهم على خلعه إذ كان في أصل دياناتهم وواجب عباداتهم أن من كان به ذلك لا يصلح للملك وأنه ما يل من فشى فيه دين النصرانية واستظهر بهم وبخاصته وصنائعه على ما خالفه وأظهر النصرانية إذ كان غر محظور فيها تمليك من به ذلك وقول من قال منهم أنه كتم ما ظهر به وأفشاه إلى بعض وزرائه ممن كان يخفي النصرانية وأعلمه أنه يخشى خلعه عن الملك فضمن له القيام بكفايته ذلك وأنفذ عدة عساكر إلى من حوله من الأعداء مرة بعد أخرى بأسماء الأصنام السبعة التي كانت على أسماء الكواكب السبعة ومثالات لها من النيرين والخمسة وكان الصابئون يقربون لها القرابين ويعتكفون على عبادتها بعد أن جعلها في غاية الضعف فعادت منكوبة مهزومة فأظهر الإزراء بها والتنقص لمن يرى عبادتها وأشار عليه حينئذ بالانتقال إلى النصرانية ففعل وما ذهب إليه النصارى من أن السبب في ذلك ظهور صليب له نوري في السماء في نومه في حال حربه مع ملك برجان وأنه قيل له استنصر به على عدوك تنصر عليه وأنه ركب مثال ذلك على رءوس الأعلام كالأسنة فظهر على عدوه بعد أن كانوا الظاهرين عليه فدان بها حينئذ وقول من قال منهم إنه رأى ذلك في يقظته وغير ذلك من أقاويل الفريقين على الشرح والإيضاح ولثلاث سنين خلت من ملكه بنى مدينة القسطنطينية على الخليج الآخذ من بحر مايطس ويعرف في هذا الوقت ببحر الخزر إلى بحر الروم والشأم ومصر وذلك في الموضع المعروف بطابلا من صقع بوزنطيا وبالغ في تحصينها وإحكام بنائها وجعلها دار مملكة له أضيفت إلى اسمه ونزلها ملوك الروم بعده إلى هذا الوقت غير أن الروم يسمونها إلى وقتنا هذا المؤرخ به كتابنا بولن وإذا أرادوا العبارة عنها أنها دار الملك لعظمها قالوا إستن بولن ولا يدعونها القسطنطينية وإنما العرب تعبر عنها بذلك والقسطنطينية من الأرض الكبيرة المتصلة برومية وبلاد الإفرنجة والصقالبة والأندلس وغيرهم من الأمم الواغلين في الشمال واتصل ذلك بالمشرق كأرض الترك وغيرها من خراسان إلى الهند والصين والخليج الآخذ من بحر مايطس الذي يعرف بالخزري يحيط بها من ثلاث جهاتها ويصب في البحر الرومي وقيل إنه يحيط بها من جهتين المشرق والشمال وجانباها الغربي والجنوبي في البر وطول الخليج ثلاثمائة وستون ميلاً وقيل وثلاثون عليه ست عدوات لمن يريد من دار الإسلام إليها مما يلي الثغور الشأمية والجزرية وغيرها فالعدوة الأولى تعرف بأقروبلي عرض الخليج هناك ميل وعلى هذا الوضع نزل سابور الجنود بن أردشير وحاصر القسطنطينية وبنى هناك بيت نار واشترط على الروم عند انصرافه بقاءه فلم يزل على ذلك البيت قائماً إلى أيام المهدي فخرب ثم نزل عليه بعده أنوشروان بن قباذ ملك الفرس في بعض غزواته فأجرى إلى ما هناك نهراً ونصب عليه أرحاء وأراد سكر هذا الموضع من الخليج بالحجارة وجرب الرمل ليعبر عليه فغلبه الماء لشدة انصبابه من البحر الخزري إلى الرومي الذي هو بحر الشأم ومصر والعدوة الثانية يقال لها الأفقاطي تكون من هذه العدوة على نحو من ثلاثين ميلاً وعرضها من الجانب الشأمي إلى ذلك الجانب تسعة أميال ومن هذه العدوة تعبر عساكر الروم إذا أرادوا الخروج إلى دار الإسلام والعدوة الثالثة تعرف بسنكرة وبينها وبين عدوة الأفقاطي نحو من ثلاثين ميلاً يكون عرض هذه العدوة اثني عشر ميلاً وهذه العدوة تقرب من مدينة نيقية والعدوة الرابعة تعرف بفيلاس بينها وبين عدوة سنكرة نحو من ثمانية أميال يكون عرض هذه العدوة من الجانب الشأمي إلى ذلك الجانب وهو بند تراقية نحواً من أربعين ميلاً ومن هذه العدوة يعدى بأسارى الروم إذا أرادوا بهم الفداء إلى اللامس لأنها عدوة عريضة يرهبون بها الأسرى والعدوة الخامسة تعرف بلبادو وبينها وبين عدوة فيلاس نحو من عشرين ميلاً يكون عرض هذه العدوة من الجانب الشأمي إلى ذلك الجانب وهو بند تراقية نحو من عشرين ميلاً وقد حاصر القسطنطينية في الإسلام من هذه العدوة ثلاث أمراء آباؤهم ملوك وخلفاء أولهم يزيد بن معاوية بن أبي سفيان والثاني مسلمة بن عبد الملك بن مروان والثالث هارون الرشيد بن المهدي والعدوة السادسة تعرف بأبدو وهي فم الخليج الصاب في بحر مصر والشأم ومبدؤه من بحر مايطس المسمى بحر الخزر وعرضه في المبدأ نحو من عشرة أميال وهناك مدينة الروم تعرف بمسناة تمنع من يرد في ذلك البحر من مراكب الكوذ كأنه وغيرهم من أجناس الروس والروم تسميهم روسيا معنى ذلك الحمر وقد دخل كثير منهم في وقتنا هذا في جملة الروم كدخول الأرمن والبرغر وهم نوع من الصقالبة والبجناك من الأتراك فشحنوا بهم كثيراً من حصونهم التي تلي الثغور الشأمية وجعلوهم بإزاء برجان وغيرهم من الأمم المتأبدة لهم والمحيطة بملكهم وأبدو مدينة على هذا الخليج مما يلي الشأم والجزيرة لا من جانب القسطنطينية ومن هذه العدوة إلى القسطنطينية مائتا ميل رومية تكون أميالاً بأميالنا نحو مائة وعشرين ميلاً وأبدو جبلان جبل من هذا الجانب من عمل الأبسيق وجبل من ذلك الجانب من عمل تراقية وكان على هذين الجبلين حرس على كل جبل عشرون رجلاً يحرسون المراكب إذا دخلت وخرجت ويفتشونها وكانت فيه سلسلة تفتح وتغلق في عمودي حديد من هذا الجانب إلى ذلك الجانب هو باب الخليج الذي يحاصر به القسطنطينية حين كان للمسلمين أسطول يغزونهم من الثغر الشأمي والشأم ومصر والأسطول كلمة رومية سمة للمراكب الحربية المجتمعة وقد ذكرنا فيما سلف من كتبنا السبب في كيفية بناء القسطنطينية والتنازع في ذلك وقول من قال إن ما وراء الخليج كان من أرض برجان فاحتال قسطنطين على ملك برجان لعلمه بالموضع وحصانته حتى أذن له في بنائها وما يذم من خصالها وهوائها ومائها وتربتها وأن الخيل لا تنزو بها ولا تصهل لما يلحقها من الربو لنداوة البلد وعفونته وقيل إن ذلك لطلسم فيها وغير ذلك من أخبارها ولعشرين سنة خلت من ملك قسطنطين كان السنهودس الأول بمدينة نيقية من بلاد الروم تفسير ذلك المجمع وهو القداس حضر هذا المجمع ألفان وثمانية وأربعون أسقفاً مختلفو الآراء فاختير منهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفاً متفقين غير مختلفين فحرموا أريوس الإسكندراني وإلى اسمه أضيفت الأريوسية من النصارى ووضعوا في هذا المجمع الأمانة التي يتفق عليها سائر النصارى من الملكية واليعقوبية والعباد وهم النسطورية ويذكرونها كل يوم في القداس ولهم أربعون كتاباً فيها السنن والشرائع واتفقوا على أن يكون فصح النصارى يوم الأحد الذي يكون بعد فصح وكان المقدم والرئيس في هذا المجمع الإسكندر بطريرك الإسكندرية من بلاد مصر وهو بالرومية بطريركس تفسيره رئيس الآباء فخفف وحضر أسطاث بطريرك أنطاكية ومارقس أسقف بيت المقدس ويوليوس بطريرك رومية وكان هذا الاجتماع في اليوم التاسع عشر من حزيران سنة 636 للإسكندر الملك وقيل أنها السنة التاسعة عشرة من ملك قسطنطين وكثير من النصارى يعد ذلك من شمعون بن قلوفا فأضافها إليه وبيت هيلاني بإيليا الكنيسة المعروفة بالقيامة في هذا الوقت الذي يظهر منها النار في يوم السبت الكبير الذي صبحه الفصح وكنيسة قسطنطين وديارات كثيرة للنساء والرجال على الجبل المطل على مدينة بيت المقدس المعروف بطور زيتا وهو بإزاء القبلة اليهود وعمرت مدينة إيليا عمارة لم يكن قبلها مثلها ولم يزل ذلك عامراً إلى أن أخربته جنود الفرس حين غلبت على الشأم ومصر وسبت من كان في تلك الديارات وغيرها قبل ظهور الإسلام وذلك في ملك كسرى أرويز ملك فارس والملك على الروم يومئذ فوقاس على ما نحن ذاكروه فيما يرد من هذا الكتاب مجملاً وقد سلف في كتبنا مشروحاً والأطوار المقدسة للنصارى أربعة فأولها طور سينا الذي كلم الله موسى عليه وأنزلت عليه التوراة وهو على أيام من مدينة القلزم وعلى يوم وبعض آخر من راية من ساحل بحر القلزم والثالث طور زيتا على ما ذكرناه والرابع طور الأردن بين فلسطين وطبرية جميعها للملكية من النصارى والأطوار الجبال وبنت هيلاني كنيسة حمص وهي إحدى عجائب العالم على أربعة أركان وكنيسة الرهاء من بلاد ديار مضر وهي إحدى عجائب العالم الأربع المذكورة وكانت هيلاني من بلاد الرهاء من قرية تعرف بتل فخار إلى هذا الوقت المؤرخ به كتابنا هذا على طريق آمد وقد أتينا على خبر قسطنس أبي قسطنطين والسبب في تزوجه بها عند مشاهدته إياها والعجائب الأربع جامع دمشق ومنارة الإسكندرية وقنطرة سنجة وهي الكنيسة وقد أغفل قوم من مصنفي الكتب في التواريخ والسير من النصارى فزعموا أن خروج هيلاني أم قسطنطين إلى الشأم كان لسبع سنين من ملك ابنها قسطنطين وهذا غلط متفاحش لأن قسطنطين دان بالنصرانية بعد مضي عشرين سنة من ملكه قال المسعودي‏:‏ ولقسطنطين أخبار وسير وسياسات في الملك والدين وسير في الأرض وحروب قبل تنصره وبعده وقد أتينا على جميع ذلك في كتابنا في أخبار الزمان ومن أباده الحدثان من الأمم الماضية والأجيال الخالية والممالك الداثرة وما تلاه من الكتاب الأوسط وفي النسخة الأخيرة من كتاب مروج الذهب ومعادن الجوهر وفي كتاب فنون المعارف وما جرى في الدهور السوالف وفي كتاب الاستذكار لما جرى في سالف الأعصار وإنما نذكر في هذا الكتاب لمعاً من ذلك ليكون منبهاً عليها ومدخلاً إليها الثاني من المتنصرة قسطنطين بن قسطنطين بن هيلاني ملك أربعاً وعشرين سنة وكان أبوه قسطنطين عهد إليه بالملك في حياته وولاه القسطنطينية وولي أخاه قسطنس أنطاكية والشأم ومصر الجزيرة وجعل مقامه بأنطاكية وولي أخاه قسطوس رومية وما يليها من بلاد الإفرنجة والصقالبة وغيرهم من الأمم وأنزله رومية وأخذ على أخويه هذين العهود والمواثيق بالانقياد لأخيهما قسطنطين فاستقام ملكه إلى أن هلك الثالث يوليانوس ابن أخي قسطنطين بن هيلاني ملك سنتين وكاني خفي الصابئية في أيام عمه وابن عمه فلما ملك أظهرها وارتد عن دين النصرانية وخرب الكنائس ورد التماثيل التي جعل الصابئون مثلاً للجواهر العلوية والأجسام السمائية التي هي وسائط بين العلة الأولى عندهم وبين الخليقة في العبادات وقتل من النصارى خلقاً كثيراً وجعل عقوبة من لم يرتد إلى الحنيفية القتل وكان يأخذ من عاد إلى الحنيفية بإلقاء اللبان على النار والأكل من ذبيحة الحنفاء وغير ذلك وكان عظيم السطوة كثير الجنود‏.‏

قال المسعودي‏:‏ وسار إلى أرض العراق في ملك سابور بن أردشير فهلك بسهم غرب أصابه‏.‏

وقد أتينا على خبره وخبر سابور الجنود ملك بابل وما كان بينهما من الحروب في الجزء السابع من كتاب مروج الذهب ومعادن الجوهر في أخبار الفرس في ملك سابور والروم تسميه باربديس تفسير ذلك المرتد والصابئة أوسيبوس تفسير ذلك المؤمن التقي والنصارى جميعاً يتبرأون منه ومنهم من يدعوه البزتاط الرابع يوبيانوس ملك سنة وكان خليفة يوليانوس المقتول ومعه في عسكره ففزعوا إلى تمليكه عليهم فأبى إلا أن يرجعوا إلى النصرانية فأجابوا إلى ذلك فرد دين النصرانية وانصرف بجيوش الروم عن العراق بعد قصص كانت له مع سابور ومهادنة قد ذكرناها فيما سلف من كتبنا‏.‏